صديق الحسيني القنوجي البخاري

84

فتح البيان في مقاصد القرآن

أو بنو من ، فإنه ينفع وهذا الماضي بمعنى المضارع ، وكذا يقال في قوله : وَأُزْلِفَتِ [ الشعراء : 90 ] وَبُرِّزَتِ [ الشعراء : 91 ] ، وقيل وكبكبوا وقالوا . واختلف في معنى القلب السليم فقيل ؛ السليم من الشرك ، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد ، قاله أكثر المفسرين . وقال سعيد بن المسيب : السليم الصحيح ؛ وهو قلب المؤمن ؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض ، قال تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : 10 ] . وقيل هو القلب الخالي عن البدعة المطمئن إلى السنة وقيل سالم من آفة المال والبنين . وقال الضحاك السليم الخالص . وقال الجنيد رحمه اللّه السليم في اللغة اللديغ ، فمعناه أنه قلب كاللديغ من خوف اللّه تعالى . وهذا تحريف وتعكيس لمعنى القرآن . قال الرازي : أصح الأقوال إن المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة . وقال ابن عباس بشهادة أن لا إله إلا اللّه . وقد صوب الجليل استثناء الخليل إكراما له ؛ ثم جعله صفة له في قوله : وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الصافات : 83 ، 84 ] . قال النسفي : وما أحسن ما رتب عليه السلام من كلامه مع المشركين حيث سألهم أولا عما يعبدون ، سؤال مقرر لا مستفهم ، ثم أقبل على آلهتهم فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ، وعلى تقليدهم آباءهم الأقدمين فأخرجه من أن يكون شبهة ، فضلا عن أن يكون حجة ؛ ثم صور المسألة في نفسه دونهم حتى تخلص منها إلى ذكر اللّه تعالى فعظم شأنه . وعدد نعمه من حين انشائه إلى وقت وفاته مع ما يرجى في الآخرة من رحمته ، ثم أتبع ذلك أن دعا بدعوات المخلصين ، وابتهل إليه ابتهال الأدب ، ثم وصله بذكر يوم القيامة وثواب اللّه وعقابه وما يدفع إليه المشركون يومئذ من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال ، وتمنى الكرة إلى الدنيا ليؤمنوا ويطيعوا انتهى . وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ أي قربت وأدنيت لهم ليدخلوها أو بحيث يشاهدونها من الموقف ويقفون على ما فيها من فنون المحاسن فيبتهجون بأنهم المحشورون إليها . وقال الزجاج : قرب دخولهم إياها ونظرهم إليها . وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ أي جعلت بارزة لهم والمراد بهم الكافرون الضالون عن طريق الحق الذي هو الإيمان والتقوى . والمعنى أنها أظهرت بحيث يرونها مع ما فيها من أنواع الأحوال الهائلة ويوقنون بأنهم مواقعوها ولا يجدون عنها مصرفا . وقيل : أظهرت قبل أن يدخلوها ليشتد حزن الكافرين ويكثر سرور المؤمنين وقرىء بُرِّزَتِ على البناءين . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 92 إلى 104 ] وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 92 ) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ ( 93 ) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ ( 96 ) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ ( 99 ) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 102 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 104 )